ابن رشد
231
تهافت التهافت
إما بالنوع ، وإما بالجنس ؛ أما بالنوع فالأجسام الحية ، فهي تفعل أجساما حية على ما يشاهد كالحيوان الذي يولد بعضها بعضا ، وأما بالجنس فما يتولد عن ذكر وأنثى . فالأجرام السماوية عندهم هي التي تعطيها الحياة ، لأنها حية ، ولهؤلاء حجج غير المشاهدة ليس هذا موضع ذكرها . ولذلك اعترض أبو حامد عليهم بهذا المعنى فقال : ولم لا يجوز أن يكون في النفوس نفس تختص بخاصية تتهيأ بها أن توجد منها الأجسام وغير الأجسام ؟ . يريد ولم لا يجوز أن يكون في النفوس التي في الأجسام نفوس تختص بتوليد سائر الصور المتنفسة ، وغير المتنفسة ، وما أغرب تسليم أبي حامد أن المشاهدة معدومة في تكون جسم عن جسم وليس المشاهدة غير هذا . وأنت ينبغي أن تفهم أنه متى جردت أقاويل الفلاسفة من الصنائع البرهانية عادت أقاويل جدلية ، ولا بد إن كانتا مشهورة أو منكرة غريبة إن لم تكن مشهورة ، والعلة في ذلك أن الأقاويل البرهانية إنما تتميز من الأقاويل الغير برهانية إذا اعتبرت بجنس الصناعة الذي فيه النظر ، فما كان منها داخلا في حد الجنس أو الجنس داخلا في حده كان قولا برهانيا ، وما لم يظهر فيه ذلك كان قولا غير برهاني . وذلك لا يمكن إلا بعد أن تحدد طبيعة ذلك الجنس المنظور فيه وتحدد الجهة التي من قبلها توجد المحمولات الذاتية لذلك الجنس من الجهة التي لا توجد لها ويتحفظ في تقرير تلك الجهة في قول قول من الأقاويل الموضوعة في تلك الصناعة بأن تحضر أبدا نصب العين ، فمتى وقع في النفس أن القول جوهري لذلك الجنس أو لازم من لوازم جوهره صح القول ، وأما متى لم تخط هذه المناسبة بذهن الناظر أو خطرت خطورا ضعيفا فإن القول ظن لا يقين ، ولذلك كان الفرق بين البرهان والظن الغالب في حق العقل أدق من الشعر عند البصر وأخفى من النهاية التي بين الظل والضوء وبخاصة في الأمور المادية عند قوم عمي لاختلاط ما بالذات فيها مع ما بالعرض . ولذلك ما نرى أن ما فعل أبو حامد من نقل مذاهب الفلاسفة في هذا الكتاب وفي سائر كتبه وإبرازها لمن لم ينظر في كتب القوم على الشروط التي وضعوها أنه مغير لطبيعة ما كان من الحق في أقاويلهم أو صارف أكثر الناس عن جميع أقاويلهم . فالذي